في المدينة كما في فلسطين عدة مبادرات تعلمية و نقاشية للكتاب، تدور كلها في فلك القراءة، من مبادرات نقاشات الكتب ، إلى مبادرات أطول سلسلة قارئى، إلى المحاضرات حول الكتب، تتمركز معظم هذه المبادرات كما كل شيء في هذه البلد هذه الأيام في رام الله، وهي متعددة التوجهات، هناك ما يحمل أيدولوجية اسلامية محافظة، هناك من يحمل توجها ماركسيا ، هناك من يحمل توجها ليبراليا جدا إلخ .. تشترك هذه المبادرات في رغبتها في الوصول إلى الناس وتعمل من أجل هذا بجد وحزم .
في كتاب ألبرتو مانغويل تاريخ القراءة، يقف الرجل مطولا على التاريخ القديم لفعل القراءة، متحدثا عن الليالي السوداء التي دامت لقرون في أوروبا تمنع القراءة الحرة، أو حتى تحددها، ومتحدثا عن تحولات هذا الفعل من القراءة العلنية إلى القراءة الفردية، ومتحدثا عن أولى نقاشات الكتب، التي يرى أنها بدأت كجزء من حلقات القراءة العلنية لا يسهب مانغويل في سرد هذا التاريخ، يبدو مكتفيا بالوصف كما التحليل . ولا أعلم حقيقة متى بدأـ حلقات نقاشات الكتب ، ولكن يخيل إلي أنها بدأت في فلسطين منذ عصر القصص والحكواتي، بامكاني أن أتخيل الحكواتي يجلس ليسرد بطولات عنترة، و حين ينصرف إلى منزله، أرى بعين الخيال أيضا ، الرجال يتحلقون للنقاش حول ما قاله، و للدفاع عن عنترة أو مهاجمته أو التفكير بأفضل الوسائل ليفوز بقلب عبلة .
ولا بد أن للنساء طريقتهن الخاصة في المناقشات أيضا، فالنساء اللاتي اطلعت احداهن بمهمة الحكي وسرد القصص ، قمن باللعب على وظيفة التشويق ووترها أيضا، ولا بد أن الفتيات الصغيرات أيضا جلسن بالساعات ليخمن نهاية القصة وهل يفوز الأمير بقلب أميرته أكاد أزعم أن هذا هو الشكل الأول لنقاشات الكتب، وهو كما نرى مشابه كثيرا لما يزعم ألبرتو مانغويل أنه بداية تاريخ مناقشات الكتب . وسيأتي بعد هذا الزمن ، زمن صعود الأحزاب السياسة والمنشورات السياسة الممنوعة وغير الممنوعة، والكتب التي وعت الجمهور العربي ضد الاستعمار، لا بد أن هذه أيضا حظيت بمساحة واسعة من المناظرات والجدل والنقاشات حولها . قد تكون مختلفة قليلا عما نعرفه عن نقاشات الكتب الآن إلا أنها تصب في هذا المنوال . ثم ظهرت الصالونات الثقافية، التي كانت هي الأخرى قبلة للراغبين بالمعرفة و سماع الشعر والأدب والنقاشات الأدبية الجادة . ثم جاءت فكرة مناقشة الكتاب بالصورة التي نعرفها اليوم . أو ما قاربها .
في كل هذه التجمعات الثقافية، كان التنوع هو سيد الموقف، لم تكن جلسات الحكواتي والحكواتية محصورة على طبقة واحدة من الناس ، معرفيا أو اقتصاديا، كما أن المناقشات السياسة لم تفرق بين أحد بل إنها كانت متاحة للجميع بدرجة من الدرجات ، وأما الصالونات فقد ظلت إلى عهد قريب مفتوحة بعض الشيء لرواد الأدب المعرفة . في كل هذه التجمعات، يمكن لنا أن نتحدث عن نوع من الشعبوية الثقافية، حيث يمكن لنا أن نرى مختلف الخلفيات الثقافية تتحدث وتتحاور وتعيد انتاج المعرفة .
في واحدة من التدوينات التي أحبها جدا ، كتب أحد الأصدقاء عن زيارة واحد من أهم مبرمجي المصادر المفتوحة إلى فلسطين، كتب بطبيعة الحال ينتقد جامعة النجاح الوطنية على سوء التنظيم الذي جعلها تستضيف هذا المبرمج في مدرجات الكليات الاجتماعية و الادبية ، ورغم أنني أختلف مع هذا الصديق جدا، فما أراه أن الرجل يبشر بفكرة شعبوية المعرفة من خلال اتاحة لغة البرمجة للأطفال والشباب ، ما يعني تعليم هذه الفئة ما تحتاجه من لغات البرمجة ، لتستطيع برمجة ما تحتاج من برامج، وما يعني بطبيعة الحال كسر هيمنة الشركات الرأسمالية الكبرى على سوق البرمجيات ، وهو بطبيعة الحال خطوة ضخمة نحو خلق معرفة نابعة من احتياجات الأفراد ، غير خاضعة لأي رواية رسمية أو حدود حكومية، إنها المعرفة التي تسرد الحكاية الحقيقية لمجتمع ما . وتسحب البساط من تحت أرجل الرواية الرسمية أو الدينية . وهي مشابهة للمعرفة التي تولدها النقاشات المذكورة أعلاه، إنها معرفة تدقق بما ينتج و تستقبله وتعيد تفكيكه وتركيبه بما يلائمها ويناسبها .
وقد تكون هذه النظرة رومانسية جدا ‘ إلى عمليات انتاج المعرفة، أعلم يقينا أن أصدقائي من كلية العلوم الاجتماعية سيملكون ردودا طويلة جدا على ما أقول، ولكنها نظرة متفائلة، ومن منا لا يحب التفاؤل، تؤمن بأفراد هذا المجتمع وقدرتهم على تلقي وانتاج المعرفة بمسؤولية و عمق ! – الرومانسيات الليلية مفيدة جدا في معظم الأحيان – . إذن ، ما الذي يحصل حين يجد المرء نفسه عالقا في بلد تتعدد فيها نقاشات الكتب والمبادرات القرائية ووجهاتها ، هناك حلان لهذه المعضلة :
أولا : إما أن يجد المرء نفسه وميله وينضم إلى ميله دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من المبادرات الأخرى
ثانيا : أن يقرر مقاطعة هذه المبادرات كلها مكتفيا بالجودريدز أو أبجد أو الفيسبوك.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إن دائرة انتاج الثقافة هذه الأيام تكاد تصير مغلقة، بامكان أي شابين أن يلتقيا في مناقشة ما . يفترض أنها مناسبة ثقافية، ليكتشفا أنهما يتابعان نفس الأشخاص على الفيسبوك وربما أيضا يتم دعوتهما إلى نفس المناسبات، ويسمعان نفس الحديث ، ويفكران ربما نفس التفكير . إنها ودعونا نستعير الفيزياء قليلا هنا مرحلة قصور الطاقة ، حيث تصل الأجسام إلى طاقة متساوية تمنع أي نوع من تبادل الطاقة بينها، وحيث تصل العقول إلى درجة متساوية من المعرفة تمنع أي نوع من التبادل الثري بينها .
ضمن هذه الدائرة، يلاحظ أن هذه المبادرات تكبر لتجتذب المزيد والمزيد من الأفراد المتشابيهن، الذين سيتكلمون ذات المستوى اللغوي تقريبا، و يفكرون بذات الطريقة أيضا ، وحينها يصبح أي نقاش كتاب هو نتيجة معروفة سلفا، إما رفضه لأنه خارج أيدولجيا المبادرة ومهاجمته ، وإما الاثناء عليه بشكل يثير الغيظ ( لفهم أعمق لما أتحدث عنه بامكانكم مراجعة مراجعات رواية يا صاحبي السجن مثلا ) وضمن هذه الدائرة تنتفي الدوائر الجديدة أيضا ، كربات البيوت العاديات اللاتي لا يتقن لفظ كلمات مثل امبرالية و أيدولوجيا ( نعم أنا أحب هذه الكلمة كثيرا ) و لم يسمعن عن فوكو أو دريدا أو حتى تشومسكي أو المسيري أو اركون أو امبرتو ايكو أو بيجوفيتش أي شخص من تلك القائمة العميييقة إياها ( نعم هناك بشر على نفس الكوكب لم يصابوا بعض بمرض حذلقة الاقتباسات والمصطلحات ! ) . ومراهقات عاديات ، يردن مناقشة نسيان ، و فوضى الحواس و أحببتك أكثر من ما ينبغي ، ومراهقين يودون تمزيق هذه الكتب ، و متقاعدين يرون أن مناقشة العقاد أهم من مناقشة كل هذا الهذر الذي يتحدثون به في الحلقات الثقافية . ومزارعون لا يريدون سماع أي حرف عن كائنات كونديرا التي لا تحتمل خفتها وهمهم الوحيد كائنات تحتل المحاصيل وتسبب تسوسها . . دوائر كاملة تمتلك ثقافات مغايرة ومختلفة تماما لا يصلها أحد ولا يلتفت إليها أحد لأنها ضمن المعيار الثقافي لكثير من القراء سخيفة كل السخف !
دعونا نعترف مع أنفسنا ، نحن معشر القراء في هذا البلد منعزلون قليلا، ربما نحب الأضواء كثيرا، نحب أن نقول أننا نقرأ ، نفعل هذا بلذة معرفية تمنحنا نوع من التفوق على مجتمع يقرر أننا نوع من الكائنات الفضائية أكثر من كوننا بشر .. ننتقم منه ومن ثقافته بهذا التحييد المرعب . ونبحث عن أي وسيلة لنصنع هذا الصدع ونعمقه . ولكن دعونا نجرب مرة واحدة الطرف الآخر .. ( معلش لنتعالى قليلا على مقولتنا المفضلة الأبدية : الآخرون هم الجحيم ) ولنجرب لمرة واحدة فقط أن ننتقل إلى معسكر الجحيم . ومن يعلم قد يكون للجحيم جمالياته أيضا .
ملاحظة ، لا أعرف إن كان المصطلح شعبوية موجودا أم لا، سمحت لنفسي أن أشتقه دون التدقيق في قياسه المعجمي، وهي ميزة من ميزات الكسل اللغوي . و لهذا فإنني أدعو قراءالمقال إلى التحلي بالصبر اللغوي اللازم وربما خلق اشتقاق أكثر ملائمة .
ملاحظة 2 ، لم أدقق أي شيء نحويا أو املائيا أو طباعيا .
ملاحظة 3 ، لم أقم بأي جهد للتوثيق وقد أقوم به لاحقا ولكن أؤكد أن معظم المعلومات التي ذكرتها يمكن العودة إليها في مصادرها .
ملاحظة 4 . للسادة الاصدقاء من كلية علم الاجتماع . محبتي وقراءاتي الرومانسية عن العالم . ارجو ان لا تغضبكم كثيرا .

