شعبوية الثقافة

في المدينة كما في فلسطين عدة مبادرات تعلمية و نقاشية للكتاب، تدور كلها في فلك القراءة، من مبادرات نقاشات الكتب ، إلى مبادرات أطول سلسلة قارئى، إلى المحاضرات حول الكتب، تتمركز معظم هذه المبادرات كما كل شيء في هذه البلد هذه الأيام في رام الله، وهي متعددة التوجهات، هناك ما يحمل أيدولوجية اسلامية محافظة، هناك من يحمل توجها ماركسيا ، هناك من يحمل توجها ليبراليا جدا  إلخ .. تشترك هذه المبادرات في رغبتها في الوصول إلى الناس وتعمل من أجل هذا بجد وحزم .

في كتاب ألبرتو مانغويل تاريخ القراءة، يقف الرجل مطولا على التاريخ القديم لفعل القراءة، متحدثا عن الليالي السوداء التي دامت لقرون في أوروبا تمنع القراءة الحرة، أو حتى تحددها، ومتحدثا عن تحولات هذا الفعل من القراءة العلنية إلى القراءة الفردية، ومتحدثا عن أولى نقاشات الكتب، التي يرى أنها بدأت كجزء من حلقات القراءة العلنية لا يسهب مانغويل في سرد هذا التاريخ، يبدو مكتفيا بالوصف كما التحليل . ولا أعلم حقيقة متى بدأـ حلقات نقاشات الكتب ، ولكن يخيل إلي أنها بدأت في فلسطين منذ عصر القصص والحكواتي، بامكاني أن أتخيل الحكواتي يجلس ليسرد بطولات عنترة، و حين ينصرف إلى منزله، أرى بعين الخيال أيضا ، الرجال يتحلقون للنقاش حول ما قاله، و للدفاع عن عنترة أو مهاجمته أو التفكير بأفضل الوسائل ليفوز بقلب عبلة .

ولا بد أن للنساء طريقتهن الخاصة في المناقشات أيضا، فالنساء اللاتي اطلعت احداهن بمهمة الحكي وسرد القصص ، قمن باللعب على وظيفة التشويق ووترها أيضا، ولا بد أن الفتيات الصغيرات أيضا جلسن بالساعات ليخمن نهاية القصة وهل يفوز الأمير بقلب أميرته أكاد أزعم أن هذا هو الشكل الأول لنقاشات الكتب، وهو كما نرى مشابه كثيرا لما يزعم ألبرتو مانغويل أنه بداية تاريخ مناقشات الكتب . وسيأتي بعد هذا الزمن ، زمن صعود الأحزاب السياسة والمنشورات السياسة الممنوعة وغير الممنوعة، والكتب التي وعت الجمهور العربي ضد الاستعمار، لا بد أن هذه أيضا حظيت بمساحة واسعة من المناظرات والجدل والنقاشات حولها . قد تكون مختلفة قليلا عما نعرفه عن نقاشات الكتب الآن إلا أنها تصب في هذا المنوال . ثم ظهرت الصالونات الثقافية، التي كانت هي الأخرى قبلة للراغبين بالمعرفة و سماع الشعر والأدب والنقاشات الأدبية الجادة . ثم جاءت فكرة مناقشة الكتاب بالصورة التي نعرفها اليوم . أو ما قاربها .

في كل هذه التجمعات الثقافية، كان التنوع هو سيد الموقف، لم تكن جلسات الحكواتي والحكواتية محصورة على طبقة واحدة من الناس ، معرفيا أو اقتصاديا، كما أن المناقشات السياسة لم تفرق بين أحد بل إنها كانت متاحة للجميع بدرجة من الدرجات ، وأما الصالونات فقد ظلت إلى عهد قريب مفتوحة بعض الشيء لرواد الأدب المعرفة . في كل هذه التجمعات، يمكن لنا أن نتحدث عن نوع من الشعبوية الثقافية، حيث يمكن لنا أن نرى مختلف الخلفيات الثقافية تتحدث وتتحاور وتعيد انتاج المعرفة .

في واحدة من التدوينات التي أحبها جدا ، كتب أحد الأصدقاء عن زيارة واحد من أهم مبرمجي المصادر المفتوحة إلى فلسطين، كتب بطبيعة الحال ينتقد جامعة النجاح الوطنية على سوء التنظيم الذي جعلها تستضيف هذا المبرمج في مدرجات الكليات الاجتماعية و الادبية ، ورغم أنني أختلف مع هذا الصديق جدا، فما أراه أن الرجل  يبشر بفكرة شعبوية المعرفة من خلال اتاحة لغة البرمجة للأطفال والشباب ، ما يعني تعليم هذه الفئة ما تحتاجه من لغات البرمجة ، لتستطيع برمجة ما تحتاج من برامج، وما يعني بطبيعة الحال كسر هيمنة الشركات الرأسمالية الكبرى على سوق البرمجيات ، وهو بطبيعة الحال خطوة ضخمة نحو خلق معرفة نابعة من احتياجات الأفراد ، غير خاضعة لأي رواية رسمية أو حدود حكومية، إنها المعرفة التي تسرد الحكاية الحقيقية لمجتمع ما . وتسحب البساط من تحت أرجل الرواية الرسمية أو الدينية . وهي مشابهة للمعرفة التي تولدها النقاشات المذكورة أعلاه، إنها معرفة تدقق بما ينتج و تستقبله وتعيد تفكيكه وتركيبه بما يلائمها ويناسبها .

وقد تكون هذه النظرة رومانسية جدا ‘ إلى عمليات انتاج المعرفة، أعلم يقينا أن أصدقائي من كلية العلوم الاجتماعية سيملكون ردودا طويلة جدا على ما أقول، ولكنها نظرة متفائلة، ومن منا لا يحب التفاؤل، تؤمن بأفراد هذا المجتمع وقدرتهم على تلقي وانتاج المعرفة بمسؤولية و عمق ! – الرومانسيات الليلية مفيدة جدا في معظم الأحيان – . إذن ، ما الذي يحصل حين يجد المرء نفسه عالقا في بلد تتعدد فيها نقاشات الكتب والمبادرات القرائية ووجهاتها ، هناك حلان لهذه المعضلة :

أولا : إما أن يجد المرء نفسه وميله وينضم إلى ميله دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من المبادرات الأخرى

ثانيا : أن يقرر مقاطعة هذه المبادرات كلها مكتفيا بالجودريدز أو أبجد أو الفيسبوك.

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إن دائرة انتاج الثقافة هذه الأيام تكاد تصير مغلقة، بامكان أي شابين أن يلتقيا في مناقشة ما . يفترض أنها مناسبة ثقافية، ليكتشفا أنهما يتابعان نفس الأشخاص على الفيسبوك وربما أيضا يتم دعوتهما إلى نفس المناسبات، ويسمعان نفس الحديث ، ويفكران ربما نفس التفكير . إنها ودعونا نستعير الفيزياء قليلا هنا مرحلة  قصور الطاقة ، حيث تصل الأجسام إلى طاقة متساوية تمنع أي نوع من تبادل الطاقة بينها، وحيث تصل العقول إلى درجة متساوية من المعرفة تمنع أي نوع من التبادل  الثري بينها .

ضمن هذه الدائرة، يلاحظ أن هذه المبادرات تكبر لتجتذب المزيد والمزيد من الأفراد المتشابيهن، الذين سيتكلمون ذات المستوى اللغوي تقريبا، و يفكرون بذات الطريقة أيضا ، وحينها يصبح أي نقاش كتاب هو نتيجة معروفة سلفا، إما رفضه لأنه خارج أيدولجيا المبادرة ومهاجمته ، وإما الاثناء عليه بشكل يثير الغيظ ( لفهم أعمق لما أتحدث عنه بامكانكم مراجعة مراجعات رواية يا صاحبي السجن مثلا ) وضمن هذه الدائرة تنتفي الدوائر الجديدة أيضا ، كربات البيوت العاديات اللاتي لا يتقن لفظ كلمات مثل امبرالية و أيدولوجيا ( نعم أنا أحب هذه الكلمة كثيرا ) و لم يسمعن عن فوكو أو دريدا أو حتى تشومسكي أو المسيري أو اركون أو امبرتو ايكو أو بيجوفيتش أي شخص من تلك القائمة العميييقة إياها  ( نعم هناك بشر على نفس الكوكب لم يصابوا بعض بمرض حذلقة الاقتباسات والمصطلحات ! ) . ومراهقات عاديات ، يردن مناقشة نسيان ، و فوضى الحواس و أحببتك أكثر من ما ينبغي ، ومراهقين يودون تمزيق هذه الكتب ، و متقاعدين يرون أن مناقشة العقاد أهم من مناقشة كل هذا الهذر الذي يتحدثون به في الحلقات الثقافية . ومزارعون لا يريدون سماع أي حرف عن كائنات كونديرا التي لا تحتمل خفتها وهمهم الوحيد كائنات تحتل المحاصيل وتسبب تسوسها . . دوائر كاملة تمتلك ثقافات مغايرة ومختلفة تماما لا يصلها أحد ولا يلتفت إليها أحد لأنها ضمن المعيار الثقافي لكثير من القراء سخيفة كل السخف !

دعونا نعترف مع أنفسنا ، نحن معشر القراء في هذا البلد منعزلون قليلا، ربما نحب الأضواء كثيرا، نحب أن نقول أننا نقرأ ، نفعل هذا بلذة معرفية تمنحنا نوع من التفوق على مجتمع يقرر أننا نوع من الكائنات الفضائية أكثر من كوننا بشر .. ننتقم منه ومن ثقافته بهذا التحييد المرعب . ونبحث عن أي وسيلة لنصنع هذا الصدع ونعمقه . ولكن دعونا نجرب مرة واحدة الطرف الآخر .. ( معلش لنتعالى قليلا على مقولتنا المفضلة الأبدية : الآخرون هم الجحيم ) ولنجرب لمرة واحدة فقط أن ننتقل إلى معسكر الجحيم . ومن يعلم قد يكون للجحيم جمالياته أيضا .

ملاحظة ، لا أعرف إن كان المصطلح شعبوية موجودا أم لا، سمحت لنفسي أن أشتقه دون التدقيق في قياسه المعجمي، وهي ميزة من ميزات الكسل اللغوي . و لهذا فإنني أدعو قراءالمقال إلى التحلي بالصبر اللغوي اللازم وربما خلق اشتقاق أكثر ملائمة .

ملاحظة 2 ، لم أدقق أي شيء نحويا أو املائيا أو طباعيا .
ملاحظة 3 ، لم أقم بأي جهد للتوثيق وقد أقوم به لاحقا ولكن أؤكد أن معظم المعلومات التي ذكرتها يمكن العودة إليها في مصادرها .
ملاحظة 4 . للسادة الاصدقاء من كلية علم الاجتماع . محبتي وقراءاتي الرومانسية عن العالم . ارجو ان لا تغضبكم كثيرا .

Advertisements

رام الله الشقراء – قراءة في العنوان –

كنت محتارة قليلا في ايجاد مكان لنشر المادة أدناه . وفي النهاية وجدت أن أفضل مكان هو المدونة . كتبت هذه المادة وأنا أكتب عن العنوان في سرديات رام الله. أنوه إلى أن هذه قرائتي الأولى في موضوع العنوان وهي قراءة متواضعة بطبيعة الحال ، قابلة للنقض والتصحيح . وسأكون شاكرة لأي ملاحظات .

القراءة الأولى لهذا العنوان تأخذ القارىء إلى صورتين : الأولى هي صورة امرأة شقراء والثانية هي صورة المدينة، يتصور القارىء قصة امرأة أجنبية تتجول في المدينة، يعينه على هذا صورة الغلاف لشعر أشقر يتناثر على ما يبدو اسفلتا، و أما الصورة الثانية فهي صورة المدينة، سيتساءل القارىء عن السبب الذي يجعل رام الله امرأة شقراء أجنبية بدلا من سمراء عربية، وربما سيعلل هذا بكثرة الزواج المختلط لأبنائها المغتربين حتى ضاعت ملامح المدينة العربية في أولادهم، وربما سيتصور القارىء امرأة عربية صبغت شعرها أشقرا تتجول في شوارع المدينة.

يتكون هذا العنوان من مكونين الأول فضائي مكاني ( رام الله) وشيئي ( الشقراء). تستدعي كلمة رام الله مدينة رام الله الفلسطينية، كلمة الشقراء تستدعي اللون الأشقر والعلاقة بينهما وصفية، فرام الله شقراء و الشقراء هذه معرفة، فكيف يمكن لمدينة أن تمتلك لونا واحدا معرفا، وتنكر لونها الأخر الأسمر، وما الذي يريده الكاتب باطلاق هذه الصفة عليها وكيف تكون مدينة فلسطينية كرام الله شقراء وسكانها عرب تغلب عليهم السمرة و سواد الشعر أم أن سكانها انسلخوا من سمرتهم وصاروا شقرا.

الأشقر يرمز غالبا إلى الأجانب، وهو ما سيكون واضحا من صفحات الرواية الأولى ” هؤلاء الفرتجة لن يتركونا بخير، يملأون رام الله عن آخرها، ما العمل برأيك؟”[1] ، إذن فنحن أمام عنوان يجمع النقيضين، الأنا ممثلا برام الله، والآخر ممثلا بالشقراء. وهو بالضرورة يطرح أسئلة عن العلاقة بينهما وطبيعتها، ولكنه أيضا يشي بأن الآخر هنا مؤنث فلفظة الشقراء هي الصيغة المؤنثة من الصفة أشقر، وهو أيضا يعني أن الكاتب مطلع على العلاقة الطويلة بين المدينة والأدب والشعر، وهو يناقش هذا في ثنايا الكتاب ” ماذا ستكون المدينة إن لم تكن قبل أي شيء أنثى”[2] .

غلاف الكتاب[3] الأمامي والأخير رمادي اللون يقترب في نسيجه من الاسفلت، على الغلاف الأمامي شعر متناثر لونه أشقر غامق، و ثلاث وحدات هي عتبة العنوان باللون الأبيض ، و جنس النص: رواية باللون الأسود، و اسم الكاتب  باللون الأحمر، في الغلاف الأخير إشادة بالرواية. يلي الغلاف الداخلي التنويه التالي : ” أحيانا يكفي أن تضغط Print Out على أرشيف مراسلاتك في فيسبوك لتكون لديك “رواية” ما “[4]. وهذا التنويه يشير إلى أن الرواية عبارة عن أرشيف مراسلات بين الراوي وشخص آخر على الفيسبوك ويحدد كونها رسائل أيضا . ما يطرح سؤال الجنس في هذا النص كثيرا ويجعله مدارا للكثير من المناقشات والمراجعات عنها .] .

يلاحظ الدارس من خلال القاء نظرة على العناوين الداخلية في الرواية (تأبين جوليانو، غزوات ناعمة، سَلَت فتسلت، في استغلال الغياب، عمر وأوليفيا، الولادة من جديد، على يسار المارينز، سيرك ثقافي، شاورما، ملاحظات أولية، سذاجة متوارثة،حيث نكتفي من الأشياء بأسمائها) أنها تتشكل على النحو التالي :

  • عناوين تتكون من خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا فصل كانكشاف وملاحظات أولية .
  • عناوين تتكون من خبر شبه جملة مثل على يسار المارينز \ في استغلال الغياب .
  • عناوين تتكون من مكونات شخصية مثل عمر واوليفيا .
  • عناوين يحضر فيها التناص مثل في استغلال الغياب
  • عناوين تحضر فيها أسماء أجنبية مثل تأبين جوليانو . على يسار المارينز .

معظم هذه العناوين هي عناوين تلخيصية  تلخص الفصل الذي تعنونه وتوضحه، فمثلا ” تأبين جوليانو” عنوان يلخص رسالتين من الراوي إلى صديقته، يصف فيهما ما جرى له أثناء تأبين جوليانو خميس في مسرح القصبة، ملخصا سيرة حياة سريعة تعريفية لجليانو خميس ثم معرجا على الضيوف الزائفين منهيا الرسالتين باقتراح منه بعمل استراتيجية وطنية للتمييز بين الجيد والسيء من الأجانب الذين يملؤون البلد.

وكونها عناوين تلخيصية فيغلب عليها طابع التضمين ضمن النص أو قبله فالعنوان الثاني مثلا غزوات ناعمة هو عنوان ضمنه الكاتب في الصفحة التي تسبق هذه الرسائل ” أفكر في وضع استراتيجية وطنية للتميز بين الأخيار والأشرار منهم، ومن ثمَّ لصد حملات الغزو الأجنبي “الناعم” هذه “[6] . وفيه يفصل تمظهرات هذا الغزو وكيفيته من الايقاع بالشباب الفلسطيني عن طريق الاغواء و من الغزوات التي ترفع شعار الثقافة مثل المركز الثقافي الفرنسي ” يطلب منا جميعا تدوين كل ملاحظاتنا اليومية العادية وغير العادية و تسليمها لإدارة المركز للاطلاع عليها، والكل يلتزم بهذا التقليد بدءاً بالعاملين وانتهاء بأي زائر أجنبي استقر في رام الله ويتواصل مع المركز “[7] وأخيرا يعتبر الكاتب أيضا أن الكرسوان يحمل رمزية الغزو من حيث كونه أكل “رمز هلال أعدائهم”[8] تؤهله ليكون غزوا ناعما يسهل أسلوب حياة ناعمة تدعم الرقص المعاصر والمثلية الجنسية مع الأطفال.

وليحيى طرافة في اختيار العناوين فهو يتناص مع درويش ” في استغلال الغياب ” و يذكرنا بعنوانه ” في حضرة الغياب “، يختار يحيى أن يبدل غياب درويش بحضوره، وهو يفعل هذا ليكتب عن استغلاله ثقافيا، فرغم موت درويش ما زال حاضرا بشعره ” أصحاب البارات والمطاعم يظنون أن مثل هذه الأفعال كفيلة بجلب المثقفين رواد المقاهي والحانات، أو إضفاء طابع ثقافي على تجارتهم في المأكل والمشرب”[9]

و هذا الحضور ليس مقصورا على أصحاب المطاعم بل يتجاوزه للزج بشعر درويش وتحديدا سطره “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” في كل شيء “بدءا بخطابات الساسة وانتهاء بالاعلانات التجارية لأي متجر تافه” إن الحضور الطاغي لشعر درويش هو الوجه الآخر الآخر لغيابه جسديا، وهذا الحضور لا يعني أنه حضور يكرم الشاعر أو يحترم شعره فهو مجرد وسيلة للكسب المادي أحيانا وفي أحيان أخرى هو شماعة ترويجية لما يقوم به الناس. إن يحيى يجعل هذا الحضور الثقافي لدرويش في فلسطين  بوابة للحديث عن الثقافة فيها، ومثاله محاضرة لسلوفوي جيجك[10] في رام الله التي كانت بالانجليزية و حضورها أغلبهم من الأجانب  واليساريين الاسرائيلين الذين يواظب مسرح القصبة على احتضانهم، الثقافة إذن نخبوية وقابلة لإعادة الانتاج بعدة مستويات، ففي نخبويتها تقتصر على المثقفين من اليساريين والأجانب، وفي المستوى الشعبي فهي تسلع الشعر و تجعله وسيلة للكسب والريح.

نجد المكون الشخصي في العناوين الداخلية سواء بشكل جزئي كما في (تأبين جوليانو) وكاملا كما في (عمر وأوليفيا) والأخير هو النظير الداخلي للعنوان الرئيسي ( رام الله الشقراء) فعمر هو الشاب العربي الفلسطيني الذي يمثل بتاريخه الشخصي رام الله بجميع تناقضاتها، وأما أوليفيا فهي الامرأة الأجنبية الشقراء القادمة من وراء البحار ومن الغرب حاملة لتاريخها الشخصي الخاص و مخططاتها والتي تقيم مع عمر علاقة تكاد تتحول إلى زواج غير أنها تنسحب فجأة من حياته دون تعليلات، إن جدلية العلاقة بين عمر وأوليفيا هي خلاصة للعلاقة بين رام الله ومرتاديها من الشقر وهو ما ستفصله[11] الباحثة في موضع آخر من البحث.

يتلاعب الكاتب  في عناوينه لفظيا  ففي عنوانه ” على يسار المارينز” نجد تلاعبا من الكاتب في كلمتي يسار و المارينز. الرسائل تتحدث عن علاقة مناضل فلسطيني يساري خارج من السجن الاسرائيلي مع امرأة اوروبية هي صوفيا والتي ترتبط به عاطفيا وتقوم بترويج مشاريعه الفنية فتدفعه إلى مصاف الفنانين الفلسطينين المرموقين و أصحاب المشاريع المدرة للدخل من خلال مطعم عضوي يفتتحه ويستضيف فيه الأجانب بالدرجة الأساسية ويقدم لهم الأطباق الفلسطينية التقليدية.

اليسار يشير إلى اليسار كجهة وإلى اليسار الفلسطيني كتيار سياسي ورد ذكره في النص وأما مارينز فنجد الإشارة الأولى إليها في الرواية حينما تتحدث صديقة الراوي عن عرض للعمل من flagship  “لديهم مشروع ضخم للكشف المبكر عن سرطان الثدي و يمتد لعدة سنوات والمشروع “نبيل جدا “”[12] في رسالة الراوي ردا على صديقته يشير الراوي إلى هذه المؤسسة بلفظة ” المارينز” ثم تكررت الإشارة إليهم بنفس المسمى في الصفحات 46 و 47 و 69 ثم يعنون الكاتب رسائله بعنوان :” على يسار المارينز”.

إن مشروع flagship  في الأراضي الفلسطينية هو مشروع ضخم مدته خمس سنوات وتموله ال USAIDفي الضفة و القطاع وقد صمم بالشراكة مع وزارة الصحة الفلسطينية، ويدعم البرنامج القطاع الصحي الفلسطيني ليصير فاعلا ويلبي الاحتياجات الصحية للمجتمع الفلسطيني[13]. هكذا نجد تعريف هذه المؤسسة، فما العلاقة بينها وبين المارينز و لماذا يستخدم عباد لفظة المارينز ليحيل إليها عمل مؤسسة صحية ؟

حرفيا تعني كلمة [14]flagship : السفينة التي تحمل قائد الأسطول أو السرب الذي يحمل علم القائد. وأما المارينز[15] فهم جزء من جيش الدفاع الأمريكي والمسؤول عن الحروب و النزاعات الخارجية و القيام بالمهمات الخارجية، وذلك بالاستعانة بأسلحة البحرية الأمريكية[16]. إلى جانب التعالق اللغوي بين الكلمتين الأسطوال المائي و القوات البحرية الأمريكية . فالمؤسستين أمريكيتين، تديرهما امبراطورية مالية ضخمة، تعملان خارج الولايات المتحدة الأمريكية وراء البحار، و تقومان بما هو ضروري ومهم من وجهة نظر أمريكية وقد لا تعكس تدخلاتهما أي تغيير أو تنمية حقيقية. وهكذا  فدالة المارينز تشير إلى السياسة الأمريكية بكل هذا الثراء اللغوي الذي تحمله.

ولكن الرسائل المعنونة بهذا العنوان هي رسائل تتناول بشكل أساسي التحولات التي طرأت على اليسار الفلسطيني، فكيف يستقيم ما سبق مع هذا العنوان ؟

إن قراءة متعددة المستويات قد تقدم تفسير لهذا اللاترابط الظاهري،  فمن جهة يمكن الأخذ بحرفية العنوان : صديقة الراوي  تجلس إلى يسار مدير هذه المؤسسة في مطعم يمتلكه يساري سابق. و من جهة ثانية يلعب تعدد المعاني للكلمتين يسار و مارينز في هذا العنوان دورا في إضفاء قراءة أخرى له.

إن قولنا على يسار المارينز، يدلنا على أن المارينز هم مركز الحركة و من يجلس\يقف إلى جانبهم هو المتحرك حول هذا المركز، وإذا كان اليسار كفصيل سياسي هو المقصود بهذا الجلوس\الحركة فهذا اليسار فقد قدرته على الفعل وصار تابعا، وفقد بوصلته الأساسية و اتخذ بوصلة أساسية مختلفة هي المارينز، كما أنه صار متحولا[17] ومتحركا أفعاله هي ردود أفعال لهذا المركز – إن وجدت بالدرجة الأساسية -.

ويمكن رصد التحول الذي يقصده يحيى في العنوان من خلال تحليل العلاقات بين اليسار والمارينز ( السياسة الأمريكية) كشخصين يقف الأول منهما إلى يسار الآخر، إن وقوف اليسار على اليسار يعني بالضرورة أن المارينز ( السياسة الأمريكية) على اليمين وإذا كان اليمين في اللاوعي الجمعي هو الموافقة على الشيء واعتناقه، وإذا كان أيضا تعبير سياسي لليبرالية والرأسمالية بتدرجاتها فهو موافقة على هذه السياسة واعتناق لها من قبل اليسار[18].

وبذا يخلق يحيى في النص عددا من المحاور التي تؤلف وتحلل وتعكس تمظهرات المدينة ( رام الله) وعلاقتها بالآخر الأشقر ( الأجنبي ) .

 عباد،يحيى:رام الله الشقراء.ط1. القدس:دار الفيل.2013.ص11 و الصواب يملؤون وإن كان الكاتب أوردا يملأون [1]

[2] نفسه، ص40

[3] للكتاب ثلاث طبعات مختلفة وغلافين مختلفين .

[4] نفسه، صفحة التمهيد غير مرقمة.

[5] عندما تتم طباعة الدراسات السابقة عن النص إشارة إلى موضوع التجنيس الذي شغل الكثير من المتلقين

[6] نفسه ص 11

[7] نفسه ص 100

[8] نفسه ص 15

[9] نفسه ص 41

[10]http://en.wikipedia.org/wiki/Slavoj_%C5%BDi%C5%BEek فيلسوف وناقد ثقافي سلوفيني، قدم مساهمات في النظرية السياسة، ونظرية التحليل النفسي والسينما النظرية.

[12] نفسه ص 42

[13] http://www.flagshipproject.org/index.php?option=com_content&view=article&id=1&Itemid=2

[14] http://www.thefreedictionary.com/flagship

[15] http://www.thefreedictionary.com/marine    رجال البحرية الأمريكية

[16] http://en.wikipedia.org/wiki/United_States_Marine_Corps

[17] ” لا أدري لماذا تغدو تحولات الكثير من اليساريين في هذه البلد درامية بهذا الشكل لا يوجد منطق لهذه التحولات وبفترات قياسية” نفسه . ص 79

[18] “لم يفهم كل هذه العلاقات بين الرفاق وأموال المانحين” نفسه، ص 79

فوبيا الكتاب

بعض الخوف، ليس خوفا من النتيجة، بعض الخوف من الأهالي هو خوف من الخروج عن المعروف أو المألوف ، أو من دائرة هذا وجدنا عليه أبائنا .في المكتبات، يمكن أن تتعرف إلى الكثير من الأطفال واليافعين الرائعين واللامعين والجميلينوالقراء أيضا ، بعضهم يشبه دودة الكتب المدمنة للكتب بصورة مذهلة، وبعضهم الآخر يمتلك منطقا تحليليا مذهلا . هناك نموذجين تحديدا هما موضوع هذا البوست . 

النموذج الأول هو لطفلة في التاسعة من عمرها، الحديث مع هذه الطفلة هو مغامرة من المنطق والمنطق المضاد، انها طفلة ذكية و تستطيع أن تبني عددا من الردود المنطقية المتسلسة ، وتأخذ كل نقاش وكل فكرة بجدية كاملة و مطلقة، وإلى أبعد مدى ممكن . ولكن هذه الصغيرة لا تتقبل الخيال بالمطلق ، لا يمكن الحديث عن أي رحلة بالفضاء ، أو أي رحلة بالسفينة، عن أصوات الغابة وهمسها و ثرثرات العصافير، كل منطق خيالي للكتابة هو منطق مرفوض لديها، تجادل في هذا وتطالبك دوما أن تثبت لها علميا ما تفترضه . عليك ان تثبت أن لقوس قزح طعما ولونا وملمسا ورائحة بالصورة والفيديو والصوت و الدليل العلمي والدراسات العلمية، في بداية العمل معها، قد تجد أن هذا التميز هو تميز جميل ولا شك في هذا، ولكن حين تصبح الأمور أكثر جدية والتدريبات تعتمد على الخيال ، ستكتئب الصغيرة وتنزوي في مكانها، وستثير الضجة ، وستبدأ بالهمهة و عدم احترام زملائها الآخرين، وستدفعك إلى الغضب من تصرفاتها المزعجة والتي تقاطع التدريب . 

النموذج الثاني هو نموذج لفتاتين يافعتين، تمتلك الفتاتان رصيدا جميلا من خفة الدم و الكتب، ستتحدثان إليك وهما توردان عددا من الكتب التي قرأتاها في نفس الموضوع، أو تستندان إلى مناقشة في قصة ما، وستحللان الكثير من القصص، ناضجتان كما لو كانتا في الخامسة والعشرين من عمرهما، تواجهان دوما العقاب التالي : الحرمان من المكتبة، بمجرد أن تبدي احداهما أي بادرة لخطأ ما فإنهما تحرمان مباشرة من المكتبة لفترة قد تمتد لأسابيع أو أشهر، وحينما تناقشان الام أو تعاندانهما فإنهما تعاقبان وتحرمان من المكتبة والقراءة أيضا ! 

ما المشترك بين النموذجين ؟

في حديث صغير مع الأم في الحالة الأولى، تفخر الأم بابنتها كثيرا وتتحدث عن الكتب والموسوعات التي تقرأها وبرامج التلفاز الوثائقية التي تشاهدها والجوائز التي نالتها، ولكنها تبدو قلقة حين أقول أن ابنتها ستكون فيلسوفة منطقية ممتازة،  و يبدو أن مساحة الحديث عن الشعر والقصة والخيال تثير قلقها .

في حديث مع الام الثانية، تفخر الام ببناتها، ولكنها تعاقبهن حتى لا يعدن الكرة ويكبر راسهم ! 

الأمهات خائفات ! 

إنهن خائفات من نهاية هذه التجربة، خائفات من ذكاء البنات، وخائفات من أن يفكرن خارج السرب والقطيع، الام الأولى تتعامل مع ذكاء ابنتها بشكل منطقي فتوجهه نحو العلوم لتهرب من حوارات عميقة مع ابنتها حول العالم والله و الخلق والانسانية و الحياة. إنها لا تعرف ولا تريد أن تدخل هذا الحوار فتعيد تركيب قدرات ابنتها لتصير ابنتها أقرب إلى الآلة المنطقية التي سترفض أي شيء ما لم يكن مستقيما ومتوازيا ودون خدش . وأما الثانية فهي تخاف على سلطتها، شأنها في هذا شأن الكثير من الامهات، تخاف الامهات من بناتهن القارئات، ماذا لو استطعن بناء منطق أقوى وأصح من منطق الأمهات ، ولهذا يلجأن إلى التهديد بابعادهن عن القراءة أو مراقبة كل كتاب يقرأنه، تحت دعوى الحفاظ على الأدب والأخلاق . تخاف الامهات أن ” تفلت ” البنت . ولا أحد تحديدا يعرف معنى ومفهوم هذا الفلتان . ولكنه على ما يبدو يتجاوز قصص حب المراهقة إلى التفكير ! عليها أن تفكر مثلنا وإلا .. 

هذا الموقف ، ليس موقفا غريبا، قد تفعله المعلمات والمكتبيات مع البنات دون وعي، دون وعي يتم توجيه البنات إلى ما تعرفه المعلمة أو المكتبية، ويتم قمع محاولات الخروج عن السطر، يمكن وبسهولة أن نعرف أن الأولاد في بعض الأحيان قد فاقوا أساتذتهم و المكتبيين أنفسهم اطلاعا وربما أهاليهم ، إن التعامل مع هؤلاء الأولاد يصبح أصعب مع الوقت، لأنهم يعتبرون أنفسهم مرجعيات لذواتهم، ولا يعرفون أنهم في بداية الطريق ولكن هذا لا ينفي أن هناك عبء كبير يقع على الكبار وخوفهم من السير في هذا الطريق ! 

وليس وضع الذكور أفضل في المجتمع الفلسطيني، تواجه البنات الحرمان والعقاب ويواجه الذكور السخرية الشديدة من محيطهم، إذ يبدو أن الذكورة والرولة لا ترتبط أبدا بالقراءة، وحين يخرج أحد الاولاد عن السرب، فإنه سيدفع ثمن هذا غربة كاملة من مجتمعه، واتهامات من الآباء بأنهم لا يريدون مساعدتهم أو يغرقون بأحلام اليقظة ، إو دعما من نوعية سنشتري لك ما نرضى من الكتب .

حينما أقول أن القراءة فعل مقاومة، فإنني أعني كل حرف بهذه الجملة ، إن المجتمع لا يريد للأطفال أن يقرأوا، ولا يريد لهم قراءة حقيقية، بل يريد أن يستمر بانتاج نفس القوالب و النماذج  ليسهل تشكيلها والسيطرة عليها . دون تعب ودون جهد و دون مغامرة للمعرفة .

 

ملاحظة هامشية : 

من الغريب أن الأولاد لا يمنعون من الشبكة العنكبوتية، رغم أن المعارفة التي تنقلها الشبكة أوسع وربما سلبية أكثر، بل يترك لهم الحبل على الغارب في استعمال الهواتف الذكية دون تفكير لما سيتركه هذا من أثر عليهم أو إلى أين يمكن أن يأخذهم في المستقبل .

لقد تحولت فوبياالانترنت إلى فوبيا الكتاب ! ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

الحياة البرية الغائبة في نابلس ..

هناك ثلاث قصص مختلفة عن الحياة البرية في مدينتي -نابلس- . الاولى ترد في كتاب اسامة ابن منقذ الاعتبار والذي يسرد فيه ما يشبه السيرة الذاتية . في احدى هذه القصص يتحدث اسامة عن الاسود التي كثرت في مدينة نابلس واعتاد الفرنجة صيدها . الطبيعي أن هذه الاسود انقرضت وانقرض ذكرها . وما لم تطلع على كتاب الاعتبار فمن الصعب أن تعرف بها. تخلو ادبياات المدينة من ذكرها . ولربما يعود هذا الى الفترة التي اعتاد الناس بها صيد هذه الاسود اي الاحتلال الصلييي للمدينة ولربما آثر الناس نسيانه ونسيان كل ما يتعلق به .
القصة الثانية سمعتها من احد كبار السن في المدينة . و يبدو أنها قصة من بدايات القرن العشرين و عقوده الاولى . في ذلك الزمن المجيد لم تكن المدينة كما نعرفها اليوم . و كانت حدودها تنتهي عند مدرسة الفاطمية . و كل ما يليها هو عبارة عن غابات و عيون ماء . و كان مسلخ المدينة في غربها . و تحديدا في منطقة بدايات طلعة المنشية . و لمن لا يعرف المدينة . فالمسلخ كان يبعد حوالي الثلاثة كيلومترات عن اخر نقطة فيها . تحكي القصة ان الشباب كانوا يتراهنون من الاكثر شجاعة منهم .فيحمل مدعي الشجاعة فيهم علما احمرا وما ان تغيب الشمس حتى ينزل لعند المسلخ يتؤكه هناك و يعود . و مبعث الشجاعة أن الواويات تملأ المدينة وهي مفترسة . واحتمالات مهاجمة الواويات له كبيرة . بالطبع. ذكرت فدوى طوقان الواويات أكثر من مرة في سيرتها الذاتية . ولربما تكون القصة من سيرتها ايضا – ولأنني بعيدة عن كتبي الان سأسمح لنفسي ببعض الخيلنات العلمية الى ان اعود فأتأكد من الكتاب –
و اما القصة الاخيؤة فهي قصتي الشخصية . قبب نحو 14 عام انتقلت واسرتي للسكن في اطراف المدينة .لم يكن بيننا وبين الينة سوى شوارع ضيقة .  وغابات من الزيتون والاشجار . وكان تحت منزلنا مساحات واسعة من الحقول و الغابات لم يطالها المعمار الا قليلا . في بدايات سكننا قرر اخوتي ان يربوا بعض الدجاجات . وانتهى مشروع الدجاجات المسكينات باختفائهن في ثلاث ليالي مظلمات ليلة بعد ليلة صرخت الدجاجات . وكان للواويات فيهن نصيب و هكذا عرفت انا في بداية القرن الواحد والعشرين . الواويات !
اعتدت في الصباح الباكر على سماع نداءات الطيور . وكان اكثر الطيور اثارة للفرح الهدهد بألوانه المبهجة و طرقه للخشب . في الآونة الاخيرة . صار حضوره قليلا ومقتصرا على اسفل الوادي . ولم يعد الطنان ايضا حاضرا جدا. ولسبب ما لم تعد الطيور المهاجرة تمر فوق المدينة .
ولكن أسوأ الغياب هو غياب الغزلان . كان الوادي سكنا للغزلان و كان الصيف مناسبة لصيده. ومناسبة لنا نحن الاولاد لعصيان امهاتنا والمشي لأسفل الوادي علنا نلمح غزالا . مراتع الغزلان الان صارت بيوتا على النسق الامريكي غارقة بالبذخ و باحتلال مساكن الغزلان .
وللنحل ايضا غياباته . فالنحل الذي كان يستبرد في شرفة المنزل . و يعتبر انها ممتلكاته الخاصة  في ساعات الظهر . بحيث لا يمكن الخروج اليها و الذي وضعت له امي الماء لانها اشفقت عليه من العطش ووضعت له الماء لسنوات لم يعد للظهور .
الشيء الوحيد الذي لم يختف بعد هو الوبر الصخري . وهو كائن يشبه الكوالا و بجسم الارنب . لديه عادة غريبة هي الاستلقاء باسترخاء يثير الاعصاب تحت الشمس و مراقبتنا نحن البشر بملل و فضول . . وكأنها تمد السنتها الصغيرة لنا نحن المواطنين الذاهبين الى العمل و الجامعة . .لم يطالها المعمار البشع للمدينة و التدمير المنهجي لأشجارها و غاباتها . 

لأننا نخاف النتائج ..

تقول الأم لصغيرها : لا تنسَ أن تلبس الجاكيت قبل أن تذهب إلى المدرسة. 

ينظر إليها الصغير باستياء ويقول : لن أفعل ! 

تصر الأم على موقفها : بالبداية بالقليل من العصبية تخبره : ستفعل لأن عليك أن تفعل ولأنني أريد هذا . وإن كانت أما أكثر عقلانية ستخبره السبب وتقول : ستفعل لأنك ستصاب بالمرض، سيبكي الصغير وستجبره الأم على أن يلبس الجاكيت . وتبتسم لنصرها. ما لا تعرفه الأم أنها ربحت المعركة فقط ولم تربح الحرب، ما سيفعله الصغير هو أن ينتظر ليغيب عن ناظري أمه ليخلع الجاكيت وينتصر هو بالحرب .

هذا الموقف، يكبر ليصير أسلوبا للحياة بين الوالدين والأولاد، سيقول الأهل لابنهم الذي رسب في خمس مواد في الجامعة : ستدرس لتنجح وإلا فإنك ستصبح عالة على المجتمع و ربما يعاقبانه بحرمانه من المصروف، ولكن الحقيقة أن هذا الولد ربما سيدرس قليلا، ولكنه لن ينجح كثيرا . لأنه تعود على مخالفة والديه ورضاهما عليه رغم هذا . ولأنه يعرف أنهما لن يحرماه من الدراسة خوفا على مستقبله وسيسمحان له بالتخرج بعلامات متدنية و”ولا البلاش “

النمط الملاحظ هنا هو نمط من الجبن والخوف من الأهل، يقوم الأهل بهذا لأنهم يخافون من المواجهة، يخافون من مواجهة النتائج وما يترتب عليها من مرض الصغير، أو رسبوه أو فصله من الجامعة لهذا سيسمحان له بأن ينجح ولو كان بينه وبين النجاح أو الفصل الاكاديمي شعرة .

إن الأم التي تلجأ إلى الاجبار هي أم تريد أن تختصر الطريق عليها وعلى ابنها، إنها تريد أن تتهرب من تحمل مسؤولية المرض ومداواته، ولكن الأطفال ليسوا كذلك، يحتاج الأطفال إلى مساحة من التجربة ليتعلموا ، يحتاجون إلى مغادرة المنزل بملابس خفيفة و الاصابة بالمرض ليتعلموا من التجربة . يحتاج الشباب أيضا إلى الحزم من الوالدين و القرار الواضح بالحرمان من الجامعة لمدة فصل أو سنة دراسية إن استدعى الأمر، وتحمل المسؤولية والعمل كصبي قهوة أو بائعة في المحلات وإلخ . يخاف الأهل أن يحتك أطفالهم بمن هو سيء ولكنهم ينسون أن الحياة ستجبرهم على هذا الاحتكاك ذات يوم ! 

وأنا هنا لا أتحدث عن التجارب التي لا يمكن السيطرة على نتائجها، بل عن تجارب يمكن جدا السيطرة عليها، مثلا لا يعقل أن تسمح أم لابنها أن يجرب المخدرات ليعرف ضررها، لكن يمكن لها أن تسمح له أن يتغيب عن المدرسة أسبوعا إن كان روتين الذهاب إلى المدرسة عذابا لا يطاق ، وأن تحرمه من المزايا المتعلقة بهذا الذهاب . ليتعلم من التجربة . 

في المكتبات، كثيرا ما ينتقد الناس الأسلوب الذي نتعامل فيه مع الأطفال، كأن نسمح لهم مثلا بأن يرسموا على الحائط أو الطاولة، أو أن نسمح لهم بتجربة شيء خارج عن مألوف قوانين المنزل و المدرسة . ويبدو شعار خليهم يجربو مستفز للكثيرين، ولكننا فعلا لا نغامر بأي شيء، قد تتسخ ملابس الأولاد ، ولكنها ستغسل، قد تتسخ المكتبة ولكن الأولاد سيسهامون بتنظيفها بكفاءة وفعالية وفرح لأنهم شاركوا بتجربة صغيرة جميلة . . يسهم في ضبط هذا تحديد قوانين نحب أن نسميها قانون اللا قانون . تضمن حرية الأولاد بالتجربة وأن ينضبطوا بها : كأن نخبر الأولاد بأنهم مسؤولين عن الأدوات التي يستخدمونها وأن عليهم إعادتها إلى مكانها مثلا .

 

وهكذا نخلق تجربة . ونضمن أن يتعلم الأولاد منها للأبد . 

وما لا تعلمه التجربة . لا يعلمه تلخيصها لنا .

 

ملاحظة :

أود لفت النظر إلى أن جميع المواقف الموجودة في المقال هي من كتاب كيف تتعامل مع طفلك المتمرد . المتوفر بالمكتبات للإعارة .

البطحة التي فوق رؤوسنا .. !

تجلس الفتاة التي أمامي بتوتر شديد، تضع رجلا فوق أخرى، ثم تبدلهما، تحرك أصابعها بعصبية، وتشد حجابها دون وعي ، تأتي صديقتها لتنفجر هي فجأة :

” يا الله يا الله يا الله يعني أنا هلأ بطل حد يحب كتاباتي .. تخيلي اليوم أخدت بس 55 لايك بس عالبوست الي نزلته الصبح .. “

ترد صاحبتها بحزن مفتعل :

” يي يا خسارة، عاد كتير كان بوست حلو جد من وين بتجيبي هالكلام الحلو “

تخرج موبايلها وتقرأ البوست : ” إذا لم تكن لي فلن تكون لغيري . إلا حطاما .. مثل أنثى العنكبوت السوداء أنا .. سأرميك هيكلا فارغا ” تقرأه بكثير من الأخطاء التي يبدو أنه كتب بها، أبتسم رغما عني !

قد يبدو الموقف كوميديا ولكنه يعبر عن الكثير، لعدة أسباب على رأسها الفيس بوك والشهرة الزائفة التي يمنحها لمدمنيه، وغياب ردات الفعل النقدية الحقيقة، إضافة إلى ثقافة تقترب من الصفر باستخدام المنصات الاجتماعية بفعالية، كل هذا يلعب دوره في خلق حالة من ادعاء الثقافة و الكتابة ووهم التأليف أو الابداع . يستوي في هذا الأسماء المعروفة واللامعة مع الأسماء المغمورة ، تجد أن الكثير من ما يعرف بالكتاب أو المثقفين الفلسطينين ينظر لكثير من الأفكار ولذاته ولأناه العالية جدا . ليجد مئات المتابعين ربما الذين يعيدون انتاج منظومة المديح المفرغة .هؤلاء، لا يقبلون أي نوع من النقد، وإن استمعوا إليه فليظهروا كم أنهم ” كول أوي ” لكنه يذهب إلى وراء ظهورهم .. دون تفكير .

أن تكون مشهورا، أن تحظى بأكبر عدد من المتابعين، أن نحفظ وجهك على التلفاز المحلي ، أن نسمع صوتك مرتين على الأقل في الأسبوع هو هدف الكثيرين . والأسوأ هو أن تتلقف الموجة، تتلقف الموجة لتعبر عن تضامنك مع الأسرى وتكتب لنا نصا بائتا عنهم ، أن تتلقف الموجة لتكتب عن غزة . وأن ترثي ذاتك والعالم و عجزك والعالم ! ونعم هناك من يدعم هذا البؤس وخير دليل الكاتب س الذي نشر كتابا كاملا جمع فيه منشوراته على الفيسبوك ! و صار يتشدق بعبقريته وشاعريته في كل لقاء معه – نعم هذا أمر حقيقي جدا هناك من نشر بوستاته عن الحب والمرأة و ما لا أدري في كتاب ! وثمنه 30 شيكل بالمناسبة . –

هذه الثقافة السريعة، الثقافة التيك أواي ، أنتجت جيلا من الصغار يعتقد أنه صار كاتبا مفوها ومخرجا عبقريا وممثلا عظيما دون المرور بخيبات ، ويعتقد أنه لا يحق لمدقق لغوي مثلا   أن يخبره أن الأفعال الخمسة تحتاج إلى ناصب أو جازم لحذف نونها ! . ولا يحق له أيضا  أن يخبره  أنني لا أفهم كلمة متل : تبلوز ! لا وبل ويتهمه بالرجعية وبأحقيته بالنحث الشعري .. كما لا يحق له إلا أن يحقق أحلامه ، كلها، وأن يصير مشهورا، وأن تستضيفه قنوات التلفاز، ولا يمكن أن يمر بخيبة ، أو حتى بالطريق الطبيعية لتطور كتابته النثرية أو القصصية، ولا يمكن أن يقرأ كتابا لأنه ولد هكذا عبقريا من بطن أمه . وحين يجابه بالحقيقة مني ومن غيري ، يتهم المتكلم بالعنصرية ضده ويلعب دور الضحية بامتياز ..

ايها العالم ..

طريق الابداع ليس سهلا

ليس وجبة تاك اواي تؤخذ بدقائق

أن تترك أثرا يعني أن تتعثر وتفشل أن تبكي أن تصيبك الأشواك .. وربما تموت قبل أن يعترف العالم بك !

أن تكتب كتابا يستحق النشر يعني أنك ربما لن تنشر سواه ! وأنك ستحتاج العمر لتفعل ..

وأن تتضامن مع غزة لا يعني أن نجد صورك على الفيسبوك تجمع التبرعات أو كرت عرسك المميز  الذي كتبت فيه عن تضمانك مع غزة .. أحيانا يكفي لتترك الأثر أن تعمل من وراء ستارة .. وأن تعمل بصمت وأن تعمل باخلاص .. وأن تحب ما تفعله .

ملاحظة: أي تشابه بين ما ورد في التدوينة والحقيقة هو صدفة . هذه التدوينة لا تتقصد أحد ولا تهاجم أحدا بقدر ما هي توصف الواقع .

لا تنس أن تقرأ مقال :

ما قاله النائم لليقظان في اعادة تعريف الأحياء 

ما قاله النائم لليقظان في اعادة تعريف الأحياء ..

تعريفات لا بد منها قبل البدء بهذا المقال : 

أن تكون ناقدا يعني أن تتعلم التجرد، التجرد من الذات، التجرد من المصالح الشخصية، التجرد من اثناء على ما لا يستحق، إنه ببساطة : أن تقبل العداوات التي تخلقها
بقلمك وتتقن التعامل معها وأن تسير على الخط المستقيم دون أن تتحرى ظل الحائط . 

 الكاتب : الكتابة هي القلق ، أن تكون كاتبا يعني أن تأكلك الكلمات، أن تسير في الشوارع هائما وباحثا عن كلمة جديدة، أو تائهة عن نصك، أن تمزق كل ما تكتبه وتحرقه وأن تلعن حظك ألف مرة، أن تمرض لأن شخصيتك الأساسية هربت ولم تعد تريد اكمال دورها، أن تلعب الكرة مع بطلك في الشارع، وأنة تشتري التمرية للصغيرة في نصك لأنها تحبها ثم ترميها للقطط لأنك لا تأكلها ! . الكتابة هي القلق وهي التسليم بأنك لن تصير كاتبا إلا إن قال النقاد كذلك، وإلا إن قال الجمهور أنك فعلت . وحين أتحدث عن الجمهور فأنا أتحدث عن عدد أكبر من 10 آلاف شخص على الأقل ! 

الرسام : الرسم هو الخلق، هو الانبهار بكل لون على حدة والاحتفال بالحياة، وهو قلق الكتابة بألوان على لوحة بيضاء .

التمثيل : أن تنخلع لتلبس شخصيتك، أن تقنعني أنا المشاهدة صعبة الارضاء بأنك تحتضر، أو تكاد تموت من الفرح . أن تجعلني أقفز عن كرسي قلقا وأرقص طربا ! 

الكتابة للأطفال : أن تصير طفلا من جديد، أن تلعب مع الصغار، أن تقرأ نصوصك لهم بقلق ، وأن تقلق من رضاهم عن عملك، أن تسألهم عن أفكارك  وأن تعتبرهم النقاد الأهم والأقوى لعملك . وأن تأخذ ما يقال لك بجدية مطلقة . وأن تعتبر أسئلتهم منارات لك . هو أن تطارد الكلمات في الملاعب وعلى الأراجيح . وهو حبهم لك . ومناغشتهم وأفكارهم المدهشة . 

هذا البوست عمل تأسيسي مصغر، يمكن اضافة الكثير إليه في تعريف القصاصين والمخرجين و كل من يتمنطق شيئا من الثقافة .

ارتأيت أن أفصله عن المقال الأساسي .

أولادي الذين كبروا ..

النقد هو خلق معنى جديد للنص الأدبي ، لا أذكر كيف ومتى قرأت هذه العبارة، وهل هي عبارة حقيقية أم أنها بنت من بنات أفكاري ! . لطالما أبهرتني قدرة النقاد على خلق المعاني الجديدة للنصوص التي يقرأونها، تلك الدهشة التي تلحقني لتشد شعري وتعلن عن وجودها بعد كل قراءة نقدية جديدة ، لم أكن يوما من معجبي أي مدرسة تنزع من النص معناه وتحيله إلى لغة وبنى مجردة وأرقاما ،سيظل النص بالنسبة لي خزانتي السحرية التي لا تنضب .

ولعل السبب يكمن  في تجربتي الأولى لخلق المعاني، كان الكتاب هو كتاب علي الطنطاوي قصص من التاريخ، وهو كتابي الأول الذي أنهيته صغيرة جدا ولم أفهم منه حرفا ! ، كنت في التاسعة حين اكتشتفته ، واذكر تماما أنني لم أفهم ولا قصة منه، في العاشرة حين أعدت قراءة الكتاب فهمت قصة ! و تطلب الأمر مني سبعة سنوات سنة تلو الأخرى قراءة تلو القراءة لأفهم القصص كلها . وأن أعود إليه لأقرأه في صيف كل عام كفرض من فروض الاجازة الصيفية .
سبع سنوات من القراءة لانتاج المعنى الكامل للنص وفهمه، واستخراجه من عوالم الكلاسيكية إلى عوالمي الخاصة ولأكتب في السادسة عشر قصة قصيرة جدا أسميتها الهميان ! ولتنفرط حبات المسبحة و أتورط في دراسة الأدب .

لطالما سألني الأولاد في مكتبة بلدية بيت فوريك عن المعاني الجديدة للنص ، كيف نخلق معنى له، وهل حين نخلق معنى جديدا للنص نخرج النص من سيطرة المؤلف ونعيد كتابته، هل يفكر المؤلف أثناء الكتابة بما نفكر فيه نحن القراء . كانت هذه هي أسئلة الأولاد في العام الماضي .

في العام الذي سبقه في مكتبة بلدية بيت فوريك، كان علينا أن نقرأ . نقرأ الكثير دون توقف، وأن نشاهد من الأفلام الكثير ، وأن نتناقش ، أن نمشي في نابلس والخليل وبيت لحم ، وأن نجلس على الرصيف في بيت لحم متعبين وسعيدين لآخر حد . نلتهم الفلافل ولا نفكر بشيء سوى السعادة الصغيرة التي سرقناها من الحياة و التي أتاحت لنا أن نمشي في الخليل !

لطالما تمنيت أن آخذ الأولاد إلى البحر ، بالحقيقة في عامي الأول معهم، كانت علاقتنا علاقة ندية قليلا، تطلب الأمر الكثير من نقاشات الكتب والكثير من سعة الصدر مني ومنهم لنكبر سوية ، أكاد أجزم أن أكثر من وجد مشقة في العمل هو سوسن ، لسوسن صبر القديسين ، وحكمة تفوق حكمة باولو كويلو – ان كان للأخير حكمة – وابتسامة تذيب جدران قلوبنا . لم أكن كما أنا الآن، ولم يكونوا كما هم الآن، كنا مجموعة من المراهقين المشاغبين . أكبرهم أنا ! ولطالما تمنيت مع سوسن أن آخذ الأولاد إلى البحر .

في كل مكان أذهب إليه الآن، أفكر بهم ، هم بالأخص والأولاد الكثر الذين أعمل معهم، ولكن لهذه المجموعة معزة خاصة في قلبي . حين رأيت البحر أول مرة تمنيت أن نذهب إليه سويا، وأن نجلس هناك نشوي السمك ونناقش الطنطورية في حيفا . حين رأيت البحر في المرة الثانية في الاسكندرية . تمنيت لو أن لنا قدرة سحرية على الطيران وأن نمشي سوية في شوارع خان الخليلي و أن نشرب الرمل عند الأهرامات . وأن نتجمد سويا في شوارع أوسلو .. وتخيلت اندهشاهم بالأوبرا . وتمنيت أن نشاهد سوية أوبرا ما !

لم تكن مجموعة الأولاد في بيت فوريك مجموعتي الوحيدة ولكنها كانت المجموعة الأعمق، التي نضجت معي والتي استعدت معها مراهقتي وناقشت الكتب كمراهقة لم يحالفها الحظ لتناقش الكتب في مراهقتها فجائتها الفرصة على طبق من ذهب !

والآن ، كبر الصغار .
سيصير محمد زميلي هذا العام في الجامعة .
يستعد نصفهم لخوض غمار الثانوية العامة
و نصفهم الآخر لخوض غمار الأول ثانوي .

لطالما قلقت عليهم . وخفت أن تصيبهم الغربة . غربة القارىء الأبدية في مجتمعات غير قارئة لكنني الآن ،واثقةبأنهم جاهزون تماما لخوض غمار الحياة . مجهزين ولو قليلا بالكثير من القراءات و التجارب . و بالكثير من الحب . و بصداقتنا التي لن تنتهي . صنعنا الكثير من المعاني سوية . و انرتم قلبي دوما . بافتراضاتكم و جدلكم و حريتكم المدهشة

في الأسفل صورتان . الأولى لنا 🙂 معنا أمنا جميعا وصديقتنا الأجمل سوسن .
و الثانية هي ورقة كتب كل شخص منا كلمة أو أكثر عن الثلاث سنوات الماضية 🙂

 IMG_6496

IMG_6516

كيف أنقذت الكتب حياتي ؟

لطالما آمنت أن الكتب هي الحياة وأنها قادرة على منحنا الحياة أيضا ، و قد يبدو هذا الاعتقاد رومنسيا جدا للآخرين ، ولكنني أعلم أنه حقيقة ، وجدت قناة على اليوتيوب تشهد على هذا .
وهذه هي شهادتي المفضلة

والآن ، هذه شهادتي الشخصية عن كتاب منحني الحياة :

مرحبا ،
اسمي آلاء ،
في صيف الصف السادس قامت قوات الاحتلال الاسرائيلية باجتياح مدينة نابلس ، سيعرف هذا التاريخ باسم الاجتياح الكبير ، أذكر ليلته الأولى جيدا، لأن بيتي كان بعيدا جدا عن المدينة في ذلك الوقت، ومطلا على الوادي ، وعلى أحد منافذ المدينة، اندلعت الحرب فجأة، قذائف ودبابات و اصوات عالية، تكومت في السرير وأنا أدعو أن تنتهي الأمور دون أن نموت . هكذا بدأ الاجتياح .
في الأيام التالية ، اعتبرت المنطقة التي أسكن بها خاضعة لحظر التجول وخارج المدينة، ووضعت النقاط العسكرية حول المدينة ، لم يكن مسموحا لنا أن نخرج من بيوتنا، ولم يكن مسموحا لنا أن ندخل إلى المدينة في أوقات فتح حظر التجول، بل كان الاحتلال أحيانا يفتح حظر التجول عن المدينة و يعلنه في منطقتي ، وههكذا بدأ الصيف الأطول في حياتي .
صديقاتي داخل المدينة، الطائرات تقصف من فوق منطقتي، وأنا أدعو في كل قصف و كل انفجار مكتوم أن لا تكون احداهن هي التالية، الأخبار القليلة التي نسمعها تتحدث عن دمار مرعب في المدينة، لا كهرباء ولا ماء ولا تلفاز و بطبيعة الحال لا انترنت ( في الحقيقة لم يكن الانترنت وقتها منتشرا كما هو الآن ) ، المتنفس الوحيد هو المشي حول العمارة ، وهو الشيء الذي لم أفعله ، كانت الحياة هي سلسلة من الموت المستمر الذي تقصفه الطائرات فوق رؤوسنا وفوق رؤوس صديقاتي ، وفوق رؤوس أهلي في المدينة . وفي أوقات رفع الحظر هي عبارة عن حواجز طويلة وسجن ضخم ، ومشي عبر الأسلاك الشائكة . بالتأكيد ليس الصيف الأفضل أو عطلة المراهقة الأفضل .
ما أنقذني في فترة الموت تلك ، هو القراءة ، أذكر أنني قرأت كل ما في المنزل من مجلات العربي مجددا، لحسن الحظ كان لدينا نحو ال 200 عدد و حينما أنهيتها أنهيت قراءة كتبي مجددا، ولكن الكتاب الذي ساعدني على البقاء في سوداوية ما يحصل و ساعدني على البقاء على قيد الحياة بشكل حرفي كان كتاب فدوى طوقان ، رحلة جبلية رحلة صعبة ، لم يكن الكتاب لنا أو في مكتبتنا ولكنه كتاب الجيران ، لأن الجيران قرروا أن تبادل الكتب قد يكون مفيدا ، وهكذا انتهى إلي كتاب ممزق ، بعض ورقاته ضائعة ، لفتاة اسمها فدوى ، عاشت سجنا مختلفا يشبه سجني مع فارق الأسباب ، ونجت منه !
قرأت هذا الكتاب وقتها أكثر من عشر مرات إن لم تخني الذاكرة ، حفظت فقرات كاملة منه، كانت فدوى تخاطبني وهي تكتب وكنت أتخيلها معي وأتخيل بيتها في البلدة القديمة الذي لم أكن أعرفه ، وتفاصيله و جدرانه العالية و عصبية يوسف و سجنها الطويل في البيت لأن فتى رمى إليها فلة ، وأستدعي شعراءها شاعرا شاعرا ، ثم أتخيل سفرها الى بريطانيا ، أتخيل بريطانيا التي وصفتها وأقارنها بصورة متخيلة عن بريطانيا الحالية ، وأتخيل ركوب الطائرة والسفر خارج هذا الاجتياح و هذه الحرب . والغابة و الماء . كم مرة اصطدت سمكا في خيالي لأبعد عنه شبح الموت .. و القصف .. كم مرة اختلقت الآخرين لأحدثهم ولأخرج من حدود غرفتي الضيقة وحدود المدينة المهشمة .. كم مرة استدعيتها لتحدثني عن المدينة . وكم مرة جادلتها في قصتي المفضلة في ذلك الوقت : قصة الخطأ تتحدث عن رجل يقرر أن الوقت قد حان ليغسل رأسه وهو اجراء متبع وعادي في مدينته و لكن خطأ ما يؤدي إلى تبادل الرؤوس وينتهي جسد الرجل مع رأس ليس رأسه .. كنت أتضايق دوما من هذه النهاية و أجادل نفسي و فدوى في نهاية مختلفة للقصة ..
وهكذا نجوت ..
نجوت من الاجتياح ..
نجوت من كوابيس الموت ..
ومن الصمت ..

وكان كتاب فدوى هو سبب نجاتي ..

🙂

اقتراض ادب اليافعين

من يومين كنت في مكتبة الشروق في رام الله، و بدل اقتناء روايات أو كتب نقدية، قررت أنه قد حان الوقت لاقتناء القليل من كتب اليافعين ، ورغم أن الكثيرين قد يمرون على هذه الكتب دون اهتمام ، فإنني أعتبر أن كتب الأطفال واليافعين تحمل بهجة أكبر من الروايات العادية أحيانا وحتى أكبر من كتب النقد .
المهم، أنني اخترت كتابين الأول بعنوان رواد الزمن ، والثاني بعنوان قواعد، أحب كتب الخيال العلمي عادة، وأفلام الخيال العلمي ، التي لا تحتوي على الدماء والأكشن اياه، يمكن للخيال العلمي أن يكون فلسفيا جدا ، أكثر ما يجتذبني فيه هو موضوعات السفر عبر الزمن، غالبا لأنني شخص يميل إلى اصلاح الأشياء جدا، فلماذا لا يمكنني أن أصلح الزمن أيضا ، يقع الكتاب ب 449 صفحة من الحجم المتوسط الكبير، وهو من نوعية الخيال العلمي فرع السفر بالزمن، تخصص ماذا لو انتصرت ألمانيا النازية، ماذا لو انتهى العالم ، أليس هذا مبهجا جدا ؟ على العموم، أنهيت الكتاب بجلسة واحد.
الكتاب الثاني هو قواعد، وهو عن فتاة في الثانية عشرة من عمرها لديها أخ مصاب بالتوحد، بالعادة هذه الكتب تبعث على الكآبة ولكن هذا الكتاب كان كتابا عاديا جدا وطبيعيا جدا عن مراهقة عادية جدا، وأسألتها العادية وقوانينها العادية، أحببت الشخصية جدا، شخصيا لدي الكثير من القواعد، واحد من أحلامي اللامعقولة، هي أن يقوم كل شخص في هذا العالم بوضع كتيب قواعد أو كتيب استعمال لنفسه، بحيث يصبح العالم أكثر سلاسة لأنه أقل نزاعا ، سأتخيل كتابي الخاص مثلا وأكتب فيهعددا من القواعد مثل : في الصباح ، لا أشعر أنني بخير إلا بعد فنجان القهوة رقم 3 ، حينما ألبس نفس الملابس ل 3 أيام متتالية فأنا بأزمة ، لا تتحدث معي إذا رأيتني مستعجلة ، إلخ إلخ من هذه القواعد ، التي ستجعل الحياة أسهل بالنسبة لي ولمن حولي .
عامة، هذه التدوينة هي للحديث عن الفرق الكبير بين أدب الأطفال العربي والأجنبي، والذي يربك القارىء العربي جدا، يتعامل الأدب الأجنبي الموجه لليافعين مع قضايا تعتبر تابوهات لا يمكن المساس بها بينما ما زال الأدب العربي يخشى من أن يخبر الأولاد أن في الحياة موت ، وفي الحياة حزن، وفي الحياة أخطاء شنيعة لا يمكن علاجها ولا عدالة اجتماعية .
ربما يكون السبب هو الفروق الحياتية ما بين الغرب والشرق والتي تعمل على خلق هذه الهوة في أدب الأطفال واليافعين ، وربما أيضا قلة من يكتبون للأطفال و ندرة من يكتبون لليافعين في الوطن العربي، ما يعني ندرة ما يكتب لهذه الفئة ، وفي هذه الندرة لا بد أن تندر المواضيع التي يتناولها الكتاب .
وربما أيضا الفروق المعيشية بين الغرب والشرق و التي تظهر في رفاهية المنتج الغربي في طبعاته و تصميماته وفي فقر المنتج العربي بشكل مباشر قياسا لهذا المنتج الغربي ، و تنعكس الرفاهية الحياتية على القضايا المعالجة، لماذا سأعالج مشكلة الحياة مع متوحد إذا كنت أعاني أصلا من مشكلة الحق في الحياة في غزة وما الذي سيجعل قصتي مقبولة لهؤلاء اليافعين إذا لم تكن واقعية لهم، كل هذا يلعب دورا، ولكنه لا ينفي أننا نعاني من فقر شنيع في الكتب الموجهة للأطفال واليافعين .
يبقى أن أشير إلى أن الكتابين من الكتب التي تستحق القراءة بكل تأكيد وخاصة قواعد ، لأنه سيثير الكثير من المناقشات حوله في صفوف القراء الصغار وأزعم أنه سيفعل في صفوف الكبار أيضا .